آخر الإضافات

استطلاع رأي

ما هو تقييمك لنسخة هذه السنة من المهرجان مقارنة بالنسخ السابقة

قيم هذا المقال

1.00

المزيد في المرأة

الرئيسية | المرأة | أنوثة في المزاد العلني !

أنوثة في المزاد العلني !

أنوثة في المزاد العلني !

نورالدين أماد

في وسط قروي نال من التهميش حصة الأسد لا يختلف إثنان في كون المرأة تتجرع كؤوسا من المرارة و الإحتقار بجرعات زائدة مقارنة مع الرجل،هذه المرأة التي تلعب أدوارا طلائعية جد مهمة لازلت في حضيض المجتمع و لازال ينظر إليها كسلعة أو كعبء على الأسر في أفضل الحالات،فالنماذج التي نعاينها بقوة و باستمرار تنذر بنتائج كارثية أفرزت و ستفرز لا محال جيلا يدوس على مكتسبات بعض الشعوب في مجال حقوق الإنسان في بلد يدعي الحداثة و الانتقال الديمقراطي.

أي ديمقراطية تتحقق باحتقار المرأة و جعل كرامتها تهدر ظلما و عدوانا و أية حقوق نطمح لتحقيقها في ظل ممارسات تضرب في صميم الكرامة الإنسانية و تضرب بقيمة الإنسان عرض الحائط.

يأتي هذا الكلام ليكشف النقاب عن جانب جلي من الانتهاكات الجسيمة لحقوق المرأة القروية في بعض المناطق المتألمة من الجنوب الشرقي المغربي،تلك المرأة التي تتحمل غصبا و رغما عنها مختلف أشكال العنف تضيفها على ما تتحمله من أعباء ثقيلة في المنزل و خارجه.

حينما نرى في بعض الأحيان بعض المظاهر الدنيئة نشك فعلا أننا ننتمي إلى القرن الواحد و العشرين فيخال لنا أننا نعيش في ظل الجاهلية الأولى،فإذا كنا فعلا مجتمعا مسلما و الإسلام كرم المرأة فلماذا لا زلنا نسمع زغاريد الأسر لقدوم مولود ذكر،و تكفهر الوجوه لمجيء أنثى،هذه هي حقيقة الأمور بدون محسنات بديهية أو صور بلاغية ،الحقيقة المرة التي وصمت جبين مجتمعنا بوصمة الذل و العار،و هذه الحقيقة المتمثلة في بعض العادات و الطقوس الرديئة لازلت تنمو كالفطر بشكل ملفت للأسف الشديد في بعض البقع الجغرافية لجنوبنا الشرقي.

قبل أيام حضرت حفل زفاف إحدى الفتيات في أحد الدواوير التابعة لجماعة إمي نوولاون احتفلوا بزواجها من زوج مديني(نسبة إلى المدينة) و قبل أن تبدأ الأهازيج و تتراص صفوف أحيدوس في ملحمة تاريخية مهمة ،بدأ طقس غريب يذكرني شيئا بتلك الشعوب التي تقدم زوجاتهن هدية للضيف من حسن الضيافة أو حتى من باب الإيثار،إيثار مشين بطبيعة الحال،لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقارنه بإيثار حاتم الطائي..طقس بدأ بالتقاط الصور للفتيات واحدة بعد الأخرى من طرف إحدى الفتيات المدينيات المهذبات و انتهى بالوعود بالبحث عن زوج في المدينة في أقرب الآجال و ما الصور التي التقطوها سوى وسيلة تبرر غاية إسمها الزواج ،بل التزويج و لو قسرا،لماذا لأنه ببساطة لازلت الأنثى في زمن ندعي فيه الحداثة و حقوق الإنسان تعامل معاملة الشياه التي تنتظر دورها في الحظيرة قبل أن يحين موعد حملها إلى ''الرحبيت" لتلقى مصيرا مؤلما هو البيع، وهذه الصورة قدمتها ليس إحتقارا لهذا المجتمع الذي يتحمل فيه كل واحد منا قسطا من المسؤولية فيما آلت و تؤول إليه منظومتنا القيمية، من تفسخ و دناسة،رصدت هذه الصورة القاتمة حتى نعيد النظر في مجموعة من القضايا التي تهم منطقتنا بالدرجة الأولى و مختلف بقاع هذا الوطن الذي ينتظر منا الشيء الكثير،هذا الوطن الذي ضحى فيه عظماء كثر و منحوا دمائهم و أرواحهم من أجل أن ينعم كل واحد منا اليوم بالكرامة الإنسانية و العدالة الإجتماعية،لكن هيهات...فما معنى أن تتعايش طفلة صغيرة منذ نعومة أظافرها مع أفكار اليافعين القديمة، في زخم من النقاشات التافهة عنوانها العريض،الزواج...نقاشات حول زواج البنات تدور في أسرنا جيئة و ذهابا تحتفظ بها ذاكرة الطفلة مشهدا،مشهدا ،لقطة بلقطة، في وقت تحتاج فيه إلى اللعب و مجاراة الرياح و التغريد مع االطيور ،سرعان ما تتحول الفكرة إلى كابوس مرعب حينما تعلم الفتاة أن حلمها في إتمام الدراسة سيجهض عاجلا حتى تسلم من القيل و القال الذي يلاحقها في نظر عدد كبير من الأسر من أجهزة رصد البشر في كل صوب و حدب...و مع سلطتي الجهل و الإرغام تستسلم الفتاة أمام هذا الوضع الذي رسمته ثقافتنا مع سبق الإصرار، تودع الفتاة طفولتها و تغادر لآخر مرة المدرسة التي تعول عليها كثيرا لتحقيق أحلامها و ممارسة مهنتها المفضلة،لكن شتان بين أطفال الأستوديوهات التلفزية الذين يرسمون أحلامهم بريشة بريئة يوفر لهم القاصي و الداني كل المتابعة و المصاحبة حتى يتحقق منها و لو النزر القليل..وبين أطفال بعيدين كل البعد عن نطاق المخططات التنموية والإستراتيجيات الوطنية لفك العزلة و التهميش و ما جاورهما من المفاهيم التي سئم المواطن المغربي البسيط الإستماع إليها في الإعلام السمعي البصري و على اليوتوب و الفايسبوك و التويتر و هلم جرا...شتان بين المغربين.

ورغم هذا و ذلك فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نلقي اللوم على الحكومات المتعاقبة و المسؤولين على حال البلاد و العباد،فالمجتمع الذي نعيش فيه لا يمكن جرده من مسؤولية ما يقع، وحينما نقول المجتمع فإننا بالضرورة نتحدث عن الأسرة كالنواة الأولى للمجتمع،هذه الأسرة التي قدمت إستقالها بتعبير الأستاذ عبد الرحيم العطري، الأب يسبح في واد و الأم في واد و الأطفال عرضة للتيه و الضياع (لن أسقط بطبيعة الحال في التعميم الذي يقول عنه غاستون باشلار أنه خطأ معرفي،و هو كذلك)،و هنا أود فقط أن أشير إلى أن منطقتنا ليس بحاجة إلى التباهي بالأموال و الممتلكات و الأنساب أكثر من كونها بحاجة إلى تجسيد بعض القيم الإيجابية التي افتقدناها و نستمر في فقدانها للأسف الشديد من قبيل تبادل الزيارات و القناعة بما نملك دون أن نحسد الآخرين و تويزا و غيرها كثير لن يتسع المقام للإحاطة بها، في مقابل ذلك فنحن في حاجة ماسة ايضا إلى اتخاذ مواقف جريئة اتجاه بعض الممارسات التي نمارسها كل يوم في حق المرأة أو الطفل ،و في حق كرامة الإنسان الذي لم يخلق إلا لإحترامه و تقديره أعمق تقدير.

... لقد كان مشهد الفتيات الواقفات في الصف و هن ينتظرن الحصول على صورة من المرأة التي تنتمي إلى المجتمع المديني،كان مشهدا مؤسفا و ملحمة رديئة أبطالها إناث قدر لهن أن يولدن في مجتمع لا يعير الأنوثة و قبلها الأمومة و القيم الإنسانية النبيلة أي اهتمام،مجتمع يتبجح بالتعابير المنمقة و يتظاهر بالبراءة و يدعي التحضر و الرقي.

فكان من اللازم أن نطرح السؤال من المسؤول عن هذه المظاهر التي تمس بصميم الإنسان؟من إحتقار للجنس الآخر وفق توصيفات يشوبها النقص الذي يرتقي في أحايين كثيرةإلى الكراهية و النبذ الكلي و المطلق،إحتقار و ميز عنصري يتفاوت من أسرة إلى أخرى كما تختلف تمظهراته و صور تمثله...الإجابة و كما سلفت الذكر أن الكل يتحمل المسؤولية فمؤسسات الدولة يجب أن تنظر واقع المغرب العميق بنظارات سوسيولوجية لكي تقدم أجوبة شافية لبعض الآحاجي العالقة في سفوح الجبال،و المجتمع المدني بدوره،يجب أن يتحرك ليضع الأصبع على الجرح و يحاول تضميده بالوسائل المتاحة،و أخيرا الأسر التي نحن أولاة أمورها أو أفرادا منها لا بد أن تدلوا هذه الأسر بدولها الذي يعتبر في نظري الأهم لإكساب أبناءنا و بناتنا تربية متوازنة، و يتشبعون بقيم مثينة لا تعرف النكوص و لا الهشاشة.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.لماذا لم ينشر تعليقي ؟

اشهار