الرئيسية | قلم رصاص | نحو فهم منهجي لمنطق السؤال والجواب

نحو فهم منهجي لمنطق السؤال والجواب

نحو فهم منهجي لمنطق السؤال والجواب

بين المناهج المحايثة داخل-نصية(الشكلانية واللسانية والبنيوية)،والمناهج السياقية التاريخية خارج-نصية(المنهج الماركسي بمختلف تفريعاته وتشعباته)،تطل علينا نظرية جمالية التلقي-بأطرها المرجعية المتنوعة وتياراتها النقدية المتباينة-لتفتح النص الأدبي على زوايا نظر جديدة ومقاربات منهجية أصيلة :فقد أشرت الشكلانية الروسية على القيمة الإجرائية لعنصري الأداة والإدراك،و مفهومي التغريب والتطور الأدبي1بدعوى أن النص الأدبي لا يحيل على أي مرجع واقعي ،و أن الأنساق الدلالية منفصلة عن الذات المبدعة  وعدم ارتباطها بعاملي إنتاج المعنى وتلفيه،وبالتالي افرغ العمل الأدبي من أية وظيفة اجتماعية.أما المنهج الماركسي،فقد اعترض رواده ورموزه عن فكرة استقلالية وخصوصية تاريخ الأدب والفن عن أشكال الوعي(مثل الدين والأخلاق والميتافيزيقا)بدعوى أن الفن أو الأدب لا يكتسبان سيرورتهما الإجرائية إلا في ارتباطهما الجدلي مع الممارسة التاريخية للإنسان وفي وظيفته الاجتماعية العملية.2

ومادام الحديث منصبا على نظرية جمالية التلقي،يجدر بنا الحديث عن إسهامات نقدية أخرى قدمتها المدارس الألمانية من قبيل ظاهرتية"رومان انكاردن"التي أصلت ثلاثة مفاهيم مركزية(بنية اللاتحديد،أو الفراغات البانية،أو الفجوات،أو البياضات،التحقق،والتجسيم)،وتأويلية "هانس جوج كادامير"الداعية إلى ضرورة إعادة قراءة تاريخ التأويل،ومن ثم بلورة مفهومي التاريخ الفعلي وأفق الفهم3.

وفي هذا السياق التاريخي الموسوم بالصراع(أو التدافع بالمصطلح القرآني)نشأت نظرية جمالية التلقي من خلال استلهام هذه التجارب النقدية واستيعابها واستثمارها ومحاولة تجاوز نقائصها-كما صرح بذلك رائدي مدرسة كونستانس"ياوس"وايزر"-بتحويل الاهتمام من المؤلف والنص الأدبي إلى النص والقارئ،لتتخطى هذه النظرية مجال النقد الأدبي أو مجال المعرفة و تغوص في أعماق نقد النقد أو معرفة المعرفة.وفي هذا الصدد اغترف"ياوس"من معين التصور الشكلاني للأدب من خلال إبراز"تينيانوف"أهمية مفهوم التطور الأدبي،مما حذا ب"ياوس"إلى الحديث عن مفهوم تجديد الفهم التاريخي للأدب بالرغم من القصور النظري الذي اعترى الفهم الشكلاني لتاريخ الأدب على أساس تغيبه السيرورة التاريخية المتجددة للأعمال الأدبية ووظائفها الاجتماعية والتأثير أو الوقع الجمالي الذي يمارسه القراء باستمرار.ولذلك فتاريخية الأدب-من منظور ياوس- ليست حكرا على التطور الداخلي للأشكال،بل تمتد لتشمل السيرورة العامة للتاريخ4. 

ولا يجب أن يفهم من معنى التاريخ الأدبي-كما دعا إلى ذلك ياوس-النبش في الريبرتوار الذاتي أو الميثاق السير ذاتيLe pacte Autobiographique-بتعبير الناقد الفرنسي فيليب لوجون-للمؤلفين ومخزون آثارهم وسياقات إبداعاتهم التاريخية لأن هذا النوع من التاريخ"ليس تاريخا حقا بقدر ما هو طيف تاريخ."5،إذ يقتضى  النظر إلى  التاريخ الأدبي،باعتباره سيرورة تاريخية تعاقبية متجددة،أو بنية دينامية منفتحة على القراءات والتأويلات-بتعبير الناقد الايطالي "أمبرطو ايكو"-استحضار قدرة العمل الأدبي على إحداث الوقع الجمالي(L effet esthétique)الذي يحدده النص،وعلى التلقي الذي يحدده المرسل إليه بصفة منتظمة6 .وبهذا الفهم الذي يروم إعادة الاعتبار لمفهومي القراءة والتأويل،رسم "ياوس"مفهوما مغايرا لتاريخ الأدب من منطلق ثنائية المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية(أو العمل الأدبي والتاريخ العام)على أساس أن تاريخ الأدب خرق وانتهاك  وانزياح وتكسير الإيهام المرجعي للتماسك الداخلي للظواهر الأدبية،وإعادة اعتبار تاريخية الأدب للتمرس الجمالي للقراء أولا بالأعمال الأدبية.وبذلك تقتضي عملية  فهم العمل الأدبي وتحديده تاريخيا تحول مؤرخ الأدب إلى قارئ/مؤول،مما يخوله إمكانية وضع حكمه ضمن السلسلة التاريخية للقراء المتعاقبين على الإنتاج النصي مادام تاريخ الأدب-من منظور ياوس-"عملية جدلية بين الإنتاج والتلقي."7ذلك أن استمرارية سلطة تأثير العمل الأدبي مرهونة بمدى قدرة القراء على تلقيه على نحو دائم ومتجدد،سواء عبر استهلاكه وتقليده،أو عبر تجاوزه وانتقاده،فيغدو العمل الأدبي موضوع تجربة أدبية  لدى الجمهور المعاصر أو اللاحق كل حسب أفق توقعه الخاص به(L horizon d attente).إن الجوهر التاريخي للعمل الأدبي لا يتحدد فحسب من خلال وصفه و ضبط إنتاجه،بل من خلال إمساك العصا من الوسط  بمراعاة متطلبات العلاقة الجدلية التفاعلية بين الإنتاج والتلقي،مما يساعد على إمكانيات القراءة والتأويل –المرتبطين،عند ياوس، بطريقة فهم الأعمال الأدبية،بمختلف مراحل الفهم،وبطريقة تحديد أكوانها الدلالية-باعتبارهما نشاطين متلازمين مترابطين غير مستقلين. وعليه،فقراءة العمل الأدبي وتأويله تتم عبر إعادة بناء علاقته بقرائه المتعاقبين انطلاقا من الأفق المعيش(   Horizon Living)أو الحاضر8،وذلك بردم الهوة التاريخية الفاصلة بين العمل الأدبي والقراء بوضعه في سياق زمني محدد قادر على استشعار أهمية تاريخ القراءات والتأويلات من خلال تجسير التواصل والحوار بين قراءات الأوائل وقراءات المعاصرين،مرورا بالقراءات المتعاقبة تاريخيا على النسيج النصي من أجل فهم حدود المعنى في النص الأدبي-باعتباره سيرورة هيرمينوطيقية-،ورسم حدود لإمكانية التأويل  عند القارئ الذي ينتمي إلى أفق معيش معين في ارتباط  بالحدود التي يحددها النص أمامه(القارئ)9 .

ومن أجل فهم فعل القراءة باعتباره نشاطا تأويليا،استلهم "ياوس" أفكار أستاذه "كادمير" الذي يمر بثلاث مراحل وهي :

-مرحلة الفهم:وهي تلك الأحكام المسبقةLes préjugés الثاوية في تضاعيف لا وعي القارئ المؤول وهو بصدد مواجهة النص لمعالجته10.

-مرحلة التأويل:وهي تلك المواجهة الفعلية بين تلك الأحكام المسبقة والإنتاج النصي،وما ينتج عنه من صلاحيتها مع مشيرات النص ومعطياته أو عدم صلاحيتها11.

-مرحلة التطبيق:فإذا كانت المرحلتان السابقتان تنتميان إلى الأفق الحاضر للمؤول،فان هذه المرحلة الجديدة تمكن القارئ المؤول من استعادة التأويلات المتعاقبة على الإنتاج النصي نفسه في آفاق تاريخية Horizons Historiques،فيستخلص منها ما يتلاءم وأفقه الراهن،مما يوفر قابلية النص التخييلي الجمالي وغير الجمالي للتحيين والترهين والتأنيةL  actualisation،ولتعدد الدلالات بحسب الوضعية التاريخية للمؤول وأحكامه المسبقة.12

وتكمن دلالة تطويع "ياوس" فن الفهم الكاداميري سواء في كتابه الأول"نحو جمالية للتلقي"أو في كتابه الثاني"نحو تأويلية أدبية"من خلال حديثه عن ثلاث مراحل تأويلية وهي:

-مرحلة القراءة الجمالية أو أفق الإدراك الجمالي:Horizon de la réception esthétique وهي مرحلة توصف بالفهم التدريجي الذي ينجزه القارئ لشكل العمل الأدبي وبنيته.

-مرحلة القراءة التأويلية أو أفق التأويل الاسترجاعي:Horizon d interprétation rétrospectiveوهي مرحلة يقوم فيها القارئ  ببناء الأفق السابق من خلال إنتاج أحد المعاني المحتملة.

-مرحلة القراءة التاريخية أو أفق التأويل الاسترجاعيHorizon d application وهي مرحلة يسعى من خلالها القارئ،باعتباره مؤرخا  ومؤولا بإعادة بناء أفق توقع القراء الأوائل والقراء المتعاقبين على النسيج النصي نفسه13. 

فهم النص وتأويله يتطلبان استحضار ثلاثة معطيات أساس وهي:التجنيس(أي الجنس الأدبيLe genre littéraire الذي يتأطر ضمنه العمل الأدبي) والتناصL  INTRTEXTUALITE(أو ما يسمى بتداخل النصوص أو توالد النص من نصوص أخرى باعتبار النص خلاصة لما لا يحصى من النصوص"التعالق النصي"لأن الكاتب يكتب نصه تحت تأثير الهوس الذي يمارسه النص السابق باعتباره عقدة أوديبية تدفع المبدع إلى النسج على منوال النصوص السابقة أو التمرد عليها. إن التناص "عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات أو تشرب وتحويل لنصوص أخرى" كما ذهبت إلى ذلك "جوليا كريستيفا" في مجلة "تل كل Tel quel الفرنسية14، والتخييل بوصفه المحدد للمظهر الأدبي للنص بخلاف المرجع والواقع في نظرية المحاكاة الأرسطية كما ذهب إلى ذلك جيرار جنيت.

 

يتبع بإذن الله.

عبد المجيد علوي اسماعيلي.

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (2 منشور)

لمعاضيد 06 شباط 2017 - 09:44
بدون تعليق .
مقبول
8
مرفوض تقرير كغير لائق
لمحريكية 06 شباط 2017 - 14:03
ما أجمل قصر المعاضيد ونخوة أهله وهمتهم ورجولتهم،ففيه رحابها تعلمت الحبو في محراب العلم وشرب الحليب وأكل "الكن" من يد المرحوم سيدي عمي،تحية خاصة جدا أخي
مقبول
6
مرفوض تقرير كغير لائق
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.لماذا لم ينشر تعليقي ؟

آخر الإضافات

تسجيل دخول

قيم هذا المقال

0