آخر الإضافات

استطلاع رأي

ما هو تقييمك لنسخة هذه السنة من المهرجان مقارنة بالنسخ السابقة

قيم هذا المقال

0

المزيد في قضايا محلية

الرئيسية | قضايا محلية | الموت يتربص بحوامل إملشيل مُنهيا أسطورة "إيسلي وتيسليت"

الموت يتربص بحوامل إملشيل مُنهيا أسطورة "إيسلي وتيسليت"

الموت يتربص بحوامل إملشيل مُنهيا أسطورة "إيسلي وتيسليت"

تمضي الساعات بطيئة على الجميع بعد ما أسدل الليل ستاره الأسود القاتم، لتتحول الكلمات إلى نشاز وسط هدير المحرك المتهالك، ويبقى ترقب ظهور أضواء القرية الصغيرة الواقعة بجبال الأطلس الكبير لُعبة أُقْحِم فيها ركاب السيارة المغبرة. هو مشهد من الطريق صوب بلدة إملشيل البعيدة؛ حيث لم تمنع وعورة المسالك الجبلية ولا قساوة المناخ البارد شبح الموت من الوصول إليها وخطف نسائها الحوامل تارة، وأبناءها تارة أخرى، حارما إياهم من صرخة الحياة الأولى.

 

قبل وصول الركب، كان الموت قد أنهى جريمته وحصد روح فاطمة، امرأة أخرى تنتمي لدوار "أموغر" التابع لدائرة إملشيل، قبل ثلاثة أيام، بعد ما قاومته حتى النهاية أمام بوابة المستشفى الإقليمي بالراشيدية؛ حيث ترسل أغلب النساء للولادة، كما جاء على لسان أب المتوفاة، الذي تحلى بالقوة اللازمة في حديثه لهسبريس، لكبت مشاعره المختلطة بين الحزن على فلذة كبده والغضب على واقع الحال، عكس باقي أفراد العائلة الذين لازال مد بكائهم مستمرا مؤثثا أجواء مراسيم العزاء البسيطة جدا.

"بنتي ولدات في السبيطار بالليل. .وجاو داوها في الإسعاف لسبيطار أموغر، ولكن مالقاوش لي يوقف معاها عاد دوها للراشيدية، تقريبا شي 200 كلم، لما وصلات عيط ليا راجلها قال ليا البركة في راسك"، بهذه العبارات الممزوجة بلكنة أمازيغية، حكى محمد الودعي، والد الفقيدة، عن آخر اللحظات التي قضتها فاطمة. في غمرة حديثه، تدافعت الأفكار في رأس الرجل، الذي رسم الشقاء على محياه آثارا بارزة، لتخرج إحداها بنبرة استسلام واضحة: "وزير الصحة.. كنوكل عليه الله..داكشي لي كيموتوا هنا وكيخليو لينا اليتامى.. اللهم إن هذا منكر".

 

بين الفينة والأخرى، ترى محمدا واضعا يده وراء ظهره وشاردا في التفكير بمصير حفيديه اللذين يبدو أنهما سيكملان الحياة معه، بينما ظلت زوجته وبعض النساء من أفراد العائلة واقفات أمام مدخل البيت، ونظراتهن الدامعة تبوح بما تخفيه قطعة ثوب أسفل الوجه، ولولا حياءهن الظاهر لوجود بعض من رجال الدوار، الواقفين بجانب والد الفقيدة، لخرجت الكلمات لتبكي رحيل فاطمة.

 

حرب الاستنزاف التي يخوضها الموت على نساء المنطقة ناهز عدد ضحاياها 5 نساء خلال العام المنقضي، وفق شهادات متطابقة لساكنة دواوير المنطقة؛ حيث يغيب طبيب الولادة عن ثلاثة مراكز أساسية هي إملشيل والريش وأموغر، الواقعة فوق مرتفعات جبلية وعرة، ليبقى الحل أمام حالات الإنجاب المستعصية التوجه صوب مستشفى مولاي علي الشريف بالراشيدية، البعيدة بحوالي 200 كلم تقريبا.

 

بعد لحظات من الصمت وتردد كبير، قبلت عمة الفقيدة الحديث ليس فقط عن ليلة وفاة ابنة أخيها، بل أيضا عن حال المنطقة ككل، عبارات أمازيغية مسترسلة تلتها أخرى باللغة الدارجة لم تكن إلا فيضا من الأسئلة، "لماذا لا توجد المستشفيات في المنطقة؟ لماذا نرغم على تقديم فلذات أكبادنا لطريق الموت صوب الراشيدية؟". غابت الإجابة وحضر العتاب واللوم على لسانها بشكل تلقائي: "المسؤولين الغدارين مانسمحش ليهم.. بنتنا ماتت.. تقدى الآجل ديالها، لكن مازال يموتوا عشرة وعشرين".

 

من أعلى التلة حيث يوجد منزل الودعي، تلمسنا طريق المستشفى الواقعة بمدخل مركز إملشيل، عبر منحدر ترابي زادت من وعورته صفحات الثلج المتناثرة، التي استغلها صغار الدوار للتزحلق فوقها باستعمال ما توفره الطبيعة من أدوات بدائية. حوالي 15 دقيقة كانت كافية للوصول إلى المركز الطبي عبر طريق جزء من مقاطعه مهترئ، هناك كانت كل الظروف عادية تماما كمستشفيات الحواضر، بعض المرضى غالبيتهم من النساء انتظموا في بهو انتظار صغير أمام قاعة الطبيبة الوحيدة المشرفة على المركز.

في الطابور ذاته، انتظر فريق هسبريس بدوره وصول الدور لرؤية الطبيبة الشابة، التي كان لها رأي مغاير تماما في شأن وفيات الحوامل والرضع بالمنطقة، مقدمة معطيات تحمّل الساكنة جزء كبيرا من مسؤولية المأساة التي تخيم على قمم جبال الأطلس الكبير، فيما تبرأت من وفاة فاطمة، التي أكدت أنها لا تنتمي لمركز إملشيل الصحي، بل للنفوذ الترابي لجماعة "أموغر".

"غالبية النساء الحوامل بالمنطقة يفضلن الولادة داخل منازلهن عبر اللجوء إلى "القابلة"، وعند ما تسوء الأمور وتخرج من بين أيديهن يأتين إلى المركز هنا في حالة صعبة جدا"، تقول سكينة أزروال، طبيبة الأمراض العامة، التي وصلت إلى إملشيل منذ حوالي ستة أشهر فقط، قللت من خلالها من شأن الأرقام "غير الصحيحة"، وفق قولها، المقدمة من طرف الساكنة حول عدد الوفيات المسجلة خلال سنة 2016.

داخل مكتبها حيث تجري الفحوصات الطبية لفائدة المرضى بشكل يومي، توقع أزروال على قرار بعث الوافدات عليها من حوامل المنطقة إلى أقرب مركز استشفائي تارة بالراشيدية، وتارة أخرى بأنفكو، اليعيدة بحوالي 100 كلم، وهي الطريق التي حصدت، بحسبها ثلاث حالات وفيات فقط، كان آخرها امرأة وصلت إلى المركز تعاني من ارتفاع في ضغط الدم وأزمة حادة، فضلا عن عدم قدومها من قبل لمتابعة ومواكبة حالتها الصحية، تقول الطبيبة الشابة بثقة بادية ممزوجة بأسف على مصير بنات جلدتها بالمنطقة.

عتاب الساكنة، الذي استقته هسبريس على لسان العديد ممن لاقتهم هناك، حول غياب طبيب للولادة، بددته أزروال، بتأكيدها صعوبة تحقيق هذا الأمر في منطقة مثل إملشيل قليلة التعداد، موضحة: "تحقيق هذا الأمر صعب؛ لأنه سيكون لزاما أن يعين طبيب في كل مركز صحي بالمناطق النائية للمغرب، فضلا عما يتطلب الأمر من إمكانيات لوجيستية تتمثل في التجهيزات الخاصة بالولادة"، مكتفية بالإشارة إلى أن الحل قائم حاليا بوجود موعد شهري خاص بالكشف الطبي بالنسبة للنساء الحوامل، يشرف عليه طبيب مختص من خارج المنطقة.

آخر زيارة للطبيب المذكور إلى هنا حددت ما يزيد عن عشر حالات تقرر أن يتم إرسالها قبل موعد الولادة بفترة كافية إلى المستشفى الإقليمي بالراشيدية، نظرا لطبيعة هذه الحالات، وهو ما رأت فيه الطبيبة المشرفة على المركز حلا معقولا نظرا للظروف والإكراهات التي تحكم نمط عيش الساكنة بإملشيل.

هنا بالضبط، بين أحضان جبال البياض الناصعة، تبدو أسطورة العشق التي صاغها أجداد المنطقة بين "إيسلي" و"تيسليت" ماضية في الاندثار، أو على الأقل الخفوت في وجه حقيقة الموت المتربصة بنسوة القرية. فذاكرة المكان انقطعت، وكأن زغاريد موسم الزواج الجماعي السنوي لم ترفع يوما وأهازيج "زيّان" لم تسمع بعد وقت العصر داخل البيوت وفي المقاهي الصغيرة، فقط خبر الموت ينتظر فوق قمة الجبل ساعة النزول ليأخذ ضحيته الموالية.

أيوب التومي

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (1 منشور)

Ilis ndaded 10 يناير 2017 - 18:01
أليس هذا المقال لهسبريس ؟؟؟؟
مقبول
0
مرفوض تقرير كغير لائق
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.لماذا لم ينشر تعليقي ؟